الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
308
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
لزوم الكفارة على من أفطر شهر رمضان ثم طرأ مانع اضطراري من الصوم كالحيض والمرض أو اختياري كالسفر فإنه على القول بجواز الأمر مع علم الآمر بالانتفاء الشرط يكون مأمورا حينئذ بالصوم فيجب عليه الكفارة بخلاف ما لو قيل بعدم تعلق الأمر به فإنه مع عدم علم الآمر بالصوم لا يكون مفطرا للصوم الواجب وقد يقال بأنه يمكن وجوب الكفارة منوطا بمخالفة التكليف الظاهري نظرا إلى حصول التجري بمخالفته وإن لم يكن مطابقا للواقع وذلك حاصل في المقام على القول بعدم جواز الأمر مع العلم بانتفاء الشرط ولذا وقع الخلاف في وجوب الكفارة بين أصحابنا وأنت خبير بأن المقصود تفريع ذلك على ما إذا علق وجوب الكفارة على إفطار الصوم الواجب وأما لو دل الدليل على وجوبها بمجرد التجري المذكور فلا كلام وحينئذ فلا مانع من التفريع المذكور من تلك الجهة نعم قد يشكل ذلك من جهة عدم استجماع ذلك اليوم لشرائط صحة الصوم فصومه فاسد في الواقع دون تعلق الأمر بصومه نظرا إلى جهل المأمور بالحال فليس الأمر متعلقا به من حيث انتفاء الشرط المفروض بل لم يتعلق الأمر بالصحيح المستجمع لجميع الشرائط وإن لم يكن حصوله مأمورا به بحسب الواقع والإفطار إنما حصل الصوم بحسب الواقع فلا كفارة من جهة إفطارها للصوم الصحيح لولاه كما هو المقصود فلا ثمرة للخلاف سوى تحقق العصيان حسبما مرت الإشارة إليه وهو أيضا غير متجه لحصوله على القول الآخر نظرا إلى تحقق التكليف الظاهري قطعا كما عرفت أن الحق العصيان بالنسبة إلى الأمر الأولي على الأول والأمر الثانوي على الثاني ولا تفاوت بينهما بعد الاشتراك في مطلق الإثم والعصيان وغاية ما يمكن أنه يصحح الثمرة المذكورة أن يقال إنه لما لم يحصل تعدى الفساد وكان المفروض تعلق الأمر واقعا بالصوم لم يتصف صومه بالفساد واقعا إلا حين طرو المفسد فيتعلق به الكفارة بالإفطار قبله ولا يخلو ذلك أيضا عن تأمل [ أصل في دلالة نسخ الوجوب على الجواز ] قوله الأقرب عندي أن نسخ مدلول الأمر إلى آخره هذه المسألة أيضا من أحكام الوجوب ولا ترتبط بالأوامر إلا من جهة كون مدلولها ذلك عند الجمهور فلا فرق بين كون الوجوب مدلولا للأمر أو غيره من الأدلة اللفظية أو العقلية وإن لم تسلم الثاني نسخا بل ارتباطها بالنسخ أولى من ربطها بالوجوب إذ لا خصوصية للحكم المذكور بالوجوب بجريانه في الندب وغيره من الأحكام أيضا فالمناط في ذلك ما بنوا عليه الاستدلال أنه إذا وقع أمر مركب فهل يحكم برفعه أجمع أو إنما يحكم برفع ما تحقق رفعه من أبعاضه ويحكم ببقاء الباقي وحينئذ فقد يكون التركيب في نفس الحكم الباعث كما في المقام وقد يكون في متعلقه كما إذا تعلق الحكم بمقيد ثم نسخ ذلك فإنه هل يحكم بارتفاعه من خصوص القيد فثبت المطلقة أو يحكم برفعه مطلقا وقد يكون نحو التركيب في ثبوت الحكم كما لو ثبت حكم على وجه العموم ثم نسخ ذلك فإنه هل يحكم برفعه كذلك أو إنما يحكم برفع القدر المحقق من جزئيات ذلك العام لارتفاع العموم به ويحكم ببقاء الباقي ويجري البحث المذكور بالنسبة إلى نسخ الوجوب العيني فإنه هل يدل على رفع الوجوب من أصله وإنما يفيد رفع عينيته فلو احتمل وجوبه على سبيل التخيير بني عليه بحكم الأصل ثم إن نسخ الوجوب رفع له بطريق مخصوص ويجري الكلام المذكور بعينه في ارتفاع الوجوب بغير نحو النسخ كما إذا وجب شيء في حال ودل الدليل على ارتفاع الوجوب في حال أخرى فهل يحكم حينئذ ببقاء الجواز أو لا وحيث عرفت جريان الكلام بالنسبة إلى ما يتعلق به الوجوب فيندرج في ذلك أيضا إذا تعلق الوجوب بوقت مخصوص فإنه يرتفع ذلك الواجب قطعا بفوات وقته وهل يحكم ببقاء الوجوب لأصل الفعل حتى لا يتوقف وجوب القضاء على أمر جديد أو يحكم بارتفاع الوجوب رأسا فيتوقف وجوب القضاء على أمر آخر وقد عنونوا بعض المسائل المذكور بعنوان مستقل إلا أنه بعد تفصيل القول في المسألة يتبين الحال في الجميع ونحن نفصل الكلام في غيرها أيضا إن شاء الله في المباحث الآتية ثم إن نسخ الوجوب كما عرفت هو دفعه وقد يتعلق الرفع بنفس الوجوب أو بجزئه الأخص أو الأعم أو بجزئيه معا لا إشكال في وقوع الخلاف في الصورة الأولى كخروج الأخيرين عن محل النزاع وأما الثالث فسيجيء في كلام المصنف التصريح بخروجه عن البحث لكن نص الشهيد الثاني وغيره باندراجه في محل الخلاف وهو المتجه بجريان الوجه الآتي بعينه في ذلك أيضا فإن ارتفاع الفصل قاض بارتفاع الجنس فيندفع به ما يتخيل عن انتفاء الإشكال حينئذ في بقاء الجواز نعم قد لا يجري في بعض الوجوه المتخيلة لارتفاع الجواز ومجرد ذلك لا يقضي بخروجه عن محل البحث مع أن ظاهر إطلاقاتهم شمول النزاع للوجهين وإن كان الأظهر بالنظر إلى سياق كلامهم هو الصورة الأولى خاصة والمراد بالدلالة في المقام إما الدلالة اللفظية بأن يكون الدال على الوجوب هو الدال على بقاء الجواز بأن يفيد النسخ رفع جزئه الأخص يكون الأعم مدلولا لما دل على ثبوت الكل إذ لا دلالة على الجواز وإثباته بواسطة اللفظ وإن كان ثبوته من جهة استصحاب الجواز فالمدعى حينئذ إثبات الجواز بواسطة اللفظ الدال على ثبوت الوجوب والثاني هو المناسب لبعض أدلتهم الآتية وإما إثبات الجواز بواسطة أصالة البراءة أو الإباحة ونحوهما من غير تمسك بثبوت الجواز أولا بالأمر فمما لا ربط له بالمقام هو من قول المنكر لدلالته على الجواز ثم إن الجواز المبحوث عنه هو الجواز بالمعنى الأعم الشامل للأحكام الأربعة كما هو المنساق عن العبارة وإن لم يكن حصوله في المقام في ضمن الوجوب من جهة النسخ أو الشامل للثلاثة حيث إن نسخ الوجوب دليل على عدم حصول الجواز في ضمنه وإسناد البقاء إليه مع أنه أخص من المعنى الجنسي الحاصل في ضمن الوجوب نظرا إلى حصول الأعم في ضمنه وكون الخصوصية من لوازم نسخ الوجوب المأخوذ في عنوان المسألة أو يراد به الجواز بالمعنى الأخص خصوص الإباحة كما احتمله في النهاية وسيأتي عن المصنف حكاية الشهرة وهو بعيد عن ظاهر العنوان إلا أنه سيأتي في احتجاج القائل بالبقاء توجيه ذلك على أن ذلك مما لا دليل عليه كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله ولا يجري بالنسبة إلى ما لا يعقل فيه الإباحة كما في العبادات وقد يراد به الجواز في ضمن الاستحباب وهو الذي يقتضيه حجتهم على ذلك كما سيشير إليه المصنف إلا أن القول نادر حسب ما نص عليه المصنف بل يرجع إلى الحكم الذي كان قبل الأمر لا دليل عليه فالحق أنه يصير من قبل ما لا حكم فيه قلت مبنى الإيراد المذكور على حمل الحكم الذي كان قبل الأمر على ظاهر إطلاقهم ليشمل الحكم إن ثبت له قبل ذلك بالدليل الخاص أيضا وعلى هذا فالحكم بالرجوع إليه واضح الفساد إذ لا معتمد للحكم الخاص بعد ارتفاعه بالأمر الدال على الوجوب ولا يبعد أن يريد به رجوعه إلى الحكم الذي لولا الأمر فالمراد بالحكم الثابت له قبل الأمر هو الحكم الثابت بمقتضى الأصل عقليا كان كالإباحة والحظر العقليين